أبي منصور الماتريدي

391

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : كَلَّا سَيَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ : منهم من ذكر أن هذا وعيد على وعيد ، وقد ذكرنا أن حرف الوعيد ما يكرره العرب فيما بينهم للتأكيد ، كما يقال : هيهات هيهات ، وأولى لك فأولى . وجائز أن يكون قوله : كَلَّا سَيَعْلَمُونَ على علم دلالة ، وقوله - تعالى - : ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ على علم المشاهدة والعيان . ثم قوله - تعالى - : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ، أي : بساطا ، وَالْجِبالَ أَوْتاداً ذكر أن الأرض لما خلقت مادت بأهلها ، فأرساها الله - تعالى - بالجبال ؛ لطفا منه ، لا أن جعلها سببا للإرساء ؛ ألا ترى إلى قوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً . فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً . لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 105 - 107 ] ، فقد جعلها في ذلك الوقت مستمسكة ثابتة مستقرة بدون الجبال ؛ فثبت أنها ليست بسبب للإرساء في التحقيق ، ويكون فيه تعريف الخلق وجوه الحيل في الأمور إذا تعذر « 1 » عليهم الوصول إليها . وقوله - عزّ وجل - : وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً قيل : ألوانا ؛ فيكون في هذا إبطال الحكم بقول القائف ؛ لأنهم يستدلون بالتشابه في الألوان ، ويحكمون بها « 2 » ، فلو كان الأمر على ما قدروا ، لارتفع الاختلاف في الألوان ؛ فيكون الخلق كلهم على لون واحد . وقيل : أَزْواجاً : فرقا شتى ؛ ليعرف كل منهم عنصره ، ومنتهى أصله . وقيل « 3 » : أَزْواجاً ، أي : جعل لكل أحد شكلا من جنسه ؛ فجعل للذكر أنثى زوجا من جنسه . وقوله - عزّ وجل - : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ، قيل : السبات : التمدد . وقيل : السبات : النوم الذي لا حركة فيه ؛ ولهذا قيل للذي شبه بالميت « 4 » : مسبوت . وقيل « 5 » : السبات : الراحة ؛ ولذلك سمى : السبت ؛ لأنه يوم راحة وترك العمل في بني إسرائيل . ثم في إنشاء النوم « 6 » دليل سلطانه ، ودخول الخلق بأجمعهم تحت تدبيره ؛ إذ لم يتهيأ لأحد الاحتراز من النوم حتى لا يعتريه ؛ بل يقهر الجبابرة فيذلهم ، ولا يمكنهم الخلاص

--> ( 1 ) في ب : بعدت . ( 2 ) في ب : فيها . ( 3 ) انظر تفسير ابن جرير ( 12 / 397 ) . ( 4 ) في أ : الذي شبيه بالموت . ( 5 ) انظر تفسير ابن جرير ( 12 / 397 ) . ( 6 ) في ب : اليوم .